الموضوع: مجالس الأنس
عرض مشاركة واحدة
قديم 2019-03-21, 12:28   رقم المشاركة : ( 4 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

مجالس الأنس

المجلس الثاني


1

قال جُويشعُ الخوّارُ: تركتُ شوّاظَ بن جمرٍ غيرَ مصدّقٍ أنّي نجوتُ منهُ ، فترامتْ بي سفرةٌ
شاسعةٌ في مومَاةٍ واسعةٍ . ولم ألتفتْ ورائي طيلةَ مَسيري فرقاً منهُ.
وبينَا أنا كذلكَ أبصرتُ ظعينةً تتقدّمُها كوكبةٌ من الفرسانِ على رأسهمْ فارسٌ أسودُ
كأنّهُ جلمودُ صخرٍ على صَهوةِ حصانٍ . فناديتهُم : الغوثَ الغوثَ..
فأرسلَ إليَّ فارسينِ فأخذاني عندهُ فقال : ما وراءكَ ؟؟
قلتُ: البليّةُ تحملُ المنيّةَ ، جِنّيٌّ من رُماةِ سقرَ لو رمَى ولدَ البعوضِ
مستتِراً خلفَ أمّهِ لأصابهُ .
فقالت المرأةُ : ناشدتكَ اللهَ يا ابنَ العمِّ أن تعدلَ عن طريقهِ ، فاحمرّتْ عيناهُ وانتفختْ أوداجهُ
وأنشدَ يقولُ:
بكرتْ تُخوّفني الحُتوفَ كأنّني *** أصبحتُ عن غَرضِ الحُتوفِ بمَعزلِ
فأجَبتُها إنَّ المنيّةَ مَنهلٌ *** لا بدَّ أن أُسقَى بكَأسِ المَنهلِ
فاقنيْ حَياءَك لا أبَا لكِ واعلَمِي *** أنّيَ امرؤٌ سأموتُ إنْ لمْ أقتلِ
فقلتُ : عنترَةُ الفوارسِ ؟؟
والتفتُّ وَرائِي جهةَ شوّاظ وناديتُ بأعلى صَوتي ، تاللهِ لو لمْ يَمدحِ اللهُ
الكَاظمينَ الغيظَ والعافينَ عن النّاسِ لرجعنا إليكَ وأدّبناكَ يا رَمادُ بنُ فَحمٍ.
فقال عنترةُ: أتعرفني؟؟
قلتُ: ومن يجهلُ عنترةَ الفوارسِ أسدَ الأسودِ وفحلَ الشُّعراءِ ، الفارسُ

المغوارُ والبطلُ الكرّارُ الذي لا يُشقُّ لهُ غبارٌ . فجعلَ ينفخُ وينتفخُ ويلتفتُ الى المَرأةِ
حتى خشيتُ أنْ ينفَجرَ .
ثمّ قلتُ : ومَن لم يَسمعْ بعبلةَ جَوهرةِ الحُسنِ ودُرّةِ النّساءِ التي بلغَ من شغفهِ بهَا مبلغًا لا يطاقُ
حتَّى قالَ فيها في مُعلّقته الشَّهيرةِ " هَل غادرَ الشعراءُ " :
وأحبُّ لو أُسقيكِ غيرَ تملّقٍ
واللهِ من سَقمٍ أصابكِ من دَمِي
فقالت عبلةُ بصوتٍ رقيقِ لو كُلّمَ بهِ مشلولٌ لتفلّتَ من عِقالهِ : أكرمهُ يا ابنَ العمِّ .
فأشارَ الى أصحابهِ فأحضَروا شاةً فاشتويناهَا وتَحلّقنا حولهَا ، فلمّا رأيتُ القومَ
قد أحكمُوا المَيمنةَ والمَيسرةَ ، وتأهّبوا للهجومِ على الفريسةِ مع ما حباهُم اللهُ بهِ
من مَضاءِ الأسنانِ وحِدّةِ الأصابعِ أدركتُ أنّي لَن أقفوَ لهم أثراً ولن أقفَ لهم على خبرٍ .
وتذكّرتُ قولَ الشاعرِ:
وابنُ اللّبونِ إذا ما لُزَّ في قَرنٍ
لم يَستطعْ صولةَ البُزلِ القَناعِيسِ
فاقتطعتُ قطعةً تربُو على نِصفِ الجَديِ ، واحتضنتُها بشدّةِ فما زلتُ أنهسُها وأنهشُها
طولاً وعرضاً ، ورفعاً وخفضاً . حتى لم أترُك في عظامِهَا للخُنفساءِ قيلاً ولِلنّملةِ
مقيلاً .
يتبع...
ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
الظَّعِينَةُ : المرأة في الهودج
الموماة : الفلاة
ابنُ اللَّبُون : وَلَدُ الناقة إِذا استكمل السّنةَ الثّانيةَ
لزّ : شُدّ في حبل فاقترن بغيره
والبُزْل جمع بازل : وهو البعير أتمّ ثمانية أعوام
القناعيس جمع قِنْعَاس : وهو البعير الضخم القويّ

  رد مع اقتباس