الموضوع: مجالس الأنس
عرض مشاركة واحدة
قديم 2019-04-27, 13:31   رقم المشاركة : ( 10 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

مجالس الأنس

المجلس الثالث...


2

. فتمالكتُ أمري وقلتُ: أهذا لي وحدِي أم لكافّةِ من تكلمَ يا أميرَ المؤمنين ؟؟
قال : بل لكَ وحدكَ.
قلت: فهل يأذنُ أميرُ المؤمنين في سؤالٍ ؟
قال: سلْ .
قلت : أهوَ مِن بقايَا عادٍ أم مِن مُخلّفاتِ ثمودَ ؟
فابتسمَ ابتسَامةً خفيفةَ وأشارَ الى الجلاّدِ بالانصِرافِ.
فَاشرأبَّ القوم ينظرُون إليّ ، وحَدَثت حَركةٌ خَفِيفةٌ في المَجلسِ ، وبدَتِ الغِبطةُ
علَى وُجوهِ البعضِ. وكانَ الفَرزدقُ بينَ الحَاضرينَ ولَم أكُن أَعرفُه من قبلُ ، فقالَ:
رَحمَ اللهُ امرءًا عرفَ قَدرهُ فوقفَ عندَهُ .
فقلتُ: مَن هذا المُتهجِّمُ علينَا دُونَ أَن يَنالَه مِنّا مَا يَكرهُ ؟
كانَ يَحسُنُ بكَ يَا شَبيهَ الفَرزدَقةِ أَن تَعظَ بهذَا الكَلامِ نَفسكَ قبلَ أَن تَعظَ بهِ غَيركَ .
أَلم يَبلغكَ أنَّ مَن تَدخّلَ في مَا لاَ يَعنيهِ سَمعَ مَا لاَ يُرضيهِ ؟.

فضَحكَ عبد الملك بن مروان حتَّى بَانَت أَسنَانهُ ـ فإذَا هِيَ مُشَبّكةٌ بِالذَّهبِ وقالَ:
أصَبتهُ يَا جُويشِعُ .
فقلتُ: أَهُو الفَرزدقُ؟
قالَ: أجَل.
قلتُ : تَسمعَ بِالمُعِيديِّ خَير مِن أَن تَراهُ ، كُنتُ أَحسَبهُ ذَا عَقلٍ يُجنِّبهُ سَقطاتِ الحَمقَى.
قالَ: أتَحفظُ شيئًا مِمَّا هَجاهُ بهِ جَريرٌ؟
قلتُ : أجَل

إنّ القصائدَ قد جدَعنَ مجاشعًا
بالسُمِّ يُلحمُ نسجُها ويُنارُ
ولقَوا عَواديَ قد عَييتَ بنَقضهَا
ولقد نقضتَ فمَا بكَ استِمرارُ
قد كانَ قومُك يَحسبُونكَ شَاعرًا
حتَّى غرقتَ وضَمّك التيّارُ

فثَارَت ثَائِرةُ الفَرزدقِ ولاَحظَ أميرُ المُؤمنين عَليهِ ذَلكَ فقالَ:
وبمَاذا أَجبتَهُ يَا أبَا فٍراسٍ ؟
فَعدّلَ إِزارَهُ وانتصبَ قَائمًا وقالَ :

لن تُدركوا كَرمي بلؤم أبيكمُ
وأوَابدِي بتَنحّلِ الأشعارِ
كَم عَمّةٍ لك يا جريرُ وخالةٍ
فَدعَاءَ قد حلبتْ عليّ عِشاري

ثُمّ التفتَ إليّ وقالَ:

إنّ الذي سمكَ السماءَ بنى لنا
بيتا دعائمهُ أعزُّ وأطولُ
بيتًا بناهُ لنا المليكُ وما بنى
حكمُ السماءِ فإنّهُ لا ينقلُ
بيتاً زرارةُ مُحتبٍ بفنائهِ
ومجاشعٌ وأبو الفوارسِ نهشلُ
لا يَحتبي بفناءِ بيتكَ مثلهمْ
أبدًا إذا عُدَّ الفعالُ الأفضلُ

فقلتُ : لكنَّ جَريرا يا أمير المؤمنين أرسلَ علَى كُلِّ بَيتٍ صَاعِقةً نَسفَتهُ وَأخرَست
لِسَانَ الفرزدق فقالَ:

إنَّ الذِي سمكَ السّماءَ بنَى لنا
بيتًا عَلاكَ فمَا لهُ مِن مَنقلِ
أخزَى الذِي سَمكَ السماءَ مُجاشعًا
وبنَى بناءكَ في الحَضيضِ الأسفلِ

وأجَابهُ عن فَخرهِ بِنهشَل وهُم مِن غَير قَومِه

أعيتكَ ماثرةُ القُيونِ مجاشعٌ
فانظرْ لعلّكَ تدّعِي مِن نَهشلِ

فضَحكَ عبد الملك وقالَ : كُفَّ عَنهُ يَا جويشع ، لقَد أَغضَبتهُ وَأخشَى عَليكَ لِسانَه .
فقلتُ : لاَ تُشغِل بَالكَ يَا أَميرَ المُؤمنين ، لاَ نَسبَ يَضعُه ولاَ شَرفَ يَرفعُه ،
واللهِ لَئِن هجَاني أبُو فِراس لأكونَنَّ أسعدَ النَّاسِ ، فتَبسّم الفَرزدق وَقبِلَ اعتذَاري.
ثمَّ قالَ عبدُ الملكِ : زِدنَا يَا جويشع لكِن مِن غَيرِ الشِّعرِ.

يتبع....

  رد مع اقتباس