منتديات الشامل      


العودة   منتديات الشامل - > القسم الأدبي > فضاء القصة و المسرحية > فضاء المحكيات
التسجيل   البحث

فضاء المحكيات يحوي هذا الفضاء قصص من الواقع و من التراث تسرد خطيا المنقول منها أو من أعمال الأعضاء

يشرّفني ويسعدني أن أقدّم الى القرّاء الكرام هذا العمل الأدبيّ المتواضع الذي عنونته ب "مجالس الأنسِ" والذي جمعتُ فيهِ بينَ أحداثِ القصّةِ ومرحِ المقامةِ طارقًا فيهِ مختلفَ فنونِ الأدبِ

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 2019-03-07, 22:32   رقم المشاركة : ( 1 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

مجالس الأنس

يشرّفني ويسعدني أن أقدّم الى القرّاء الكرام هذا العمل الأدبيّ المتواضع الذي عنونته ب
"مجالس الأنسِ"
والذي جمعتُ فيهِ بينَ أحداثِ القصّةِ ومرحِ المقامةِ طارقًا فيهِ مختلفَ فنونِ الأدبِ من شعرٍ وأمثالٍ وحكمٍ ..ليكونَ سهلَ المنالِ مَرجُوَّ الفائدةِ غيرَ متقيّدٍ في سردِ الوقائع ولقاءِ الأبطال بالتسلسلِ التاريخي محاولاً الرّبطَ بين الماضي والحاضرِ والقديمِ والحديثِ مستعملاً في ذلك الخيالَ والتصوّرَ محاولاً الإبداعَ حيناً ومقتبساً من أمّهاتِ كتبِ الأدبِ العربي أحياناً راجيا أن يجد فيه القارئ الكريم ما ينفعه ويمتعه فأسألُ اللهَ تعالى التوفيقَ والسّدادَ إنّهُ حسبي ونعمَ الوكيل .

مجالس الأنس



المجلس الأول:

1

حدّثنَا جُوَيشِعُ الخوّارُ قال: خرجتُ ذاتَ يومٍ على بعيري أقصدُ الكوفةَ ،
حتّى إذا كنتُ بمفازةٍ ليسَ فيها أثرٌ لبشرٍ ، أبصرتُ شخصًا هو للجنِّ أقربُ
منهُ للإنسِ . ضخمَ الرّأسِ ، عريضَ الصّدرِ، رقيقَ السّاقينِ ، فقلتُ : أعوذُ
بكلماتِ الله التامّاتِ من شرِّ ما خلقَ ، لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله العليِّ العظيمِ حسبيَ الله ونعمَ الوكيلُ .
وغشيَني عرقٌ شديدٌ وأصابتني رجفةٌ . ثمّ ناديتهُ من بعيدٍ أإنسيٌّ أم جِنّيٌ ؟؟!!
فقال: قبّحَ الله وجهَك أيّها الخوّارُ ، ألمْ يجعلِ اللهُ لك عينينِ تميّزُ بهما ؟؟
فقلتً في نفسي: أبشرْ بدنوّ أجلكَ يا جُويشِعُ ، لقد نطقَ باسمِكَ دون سابقِ
معرفةٍ . إنّهُ جنّيٌ وربِّ الكعبةِ.. ثمّ حاولتُ التخلّصَ من مخاوِفي وسألتهُ :
من أنت ومن أيِّ قبائلِ العربِ ؟؟..
قال : شُوّاظُ بنُ جمرٍ ، من قبيلةِ سَقر..
قلتُ : أعوذُ بالله من الشيطانِ الرّجيمِ..إسمٌ على مسمّىً..
قال : بماذا تُتمتمُ ؟؟
قلتُ : أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمِ..
ففغرَ فاهُ عن أسنانٍ كأنّها رؤوسُ الشياطينِ ثمّ قال: ومن أنت؟؟
قلتُ : أنا البطلُ الكرّارُ والفارسُ المغوارُ ، صاحبُ السيفِ البتّارِ ،
أنا جُويشعُ الخوّارُ .
فقهقهَ ساخراً منّي بصوتٍ اضطربَ منه بعيري . فكأنَّ ضحكاتهِ المتدَحرِجةِ من فيهِ نهيقُ حمارٍ في نفقٍ مُظلمٍ .
ثمّ قال : وإلى أينَ تتوجّهُ يا جُويشعُ ؟؟
قلتُ : الى الكوفة .
قال : فهل لك في الصّحبةِ..
فرضيتُ بصُحبتهِ فرقاً منه لا حُبّاً فيهِ .

وسرنَا قليلاً فعنّتْ لنا ظباءٌ
فقال: أيُّ هذهِ الظّباءِ أحبُّ إليكَ ، المُتقدّمُ منها أم المُتأخّرُ ؟؟
قلتُ: المتقدّمُ . فأخرجَ من كنانتهِ سهماَ كأنّهُ لسانُ كلبٍ ، ثمّ رماهُ فما
أخطأهُ . فاشتوَينا وأكلناَ ، فاغتبَطتُ بصُحبتهِ .
ثمّ عنّ لنا سربٌ من القطاَ فقال: أيُّها تريدُ فأصرعهَا لك ؟؟ فأشرتُ الى
واحدةٍ فرماهاَ فما أخطأها . فاشتوينَا وأكلناَ . ثمّ أخرجَ من كنانتهِ سهماً
كأنّ رأسهُ رأسُ حيّةٍ وانتصبَ قائماً وقال: من أيِّ موضعٍ في جسدِكَ تُحبُّ
أن ينفُذَ هذا السّهمُ ؟؟
قلتُ : والله لا أحبُّ أن أُخدشَ في جسدي مقابلَ الدنيا وما فيها.
قال: لا بدّ منهُ.
قلتُ: اتّقِ اللهَ واحفظْ زمامَ الصّحبةٍ.
قال: لا بدّ منهُ.
قلتُ: خذْ بعيري وزادي واستبقنِي .
قال: لا بدّ منهُ.
قلتُ: فأمهلني حتى أُفكّرَ.
قال: لك ذلك...
يتبع....

سجل اعجابك بصفحتنا على الفيسبوك 

  رد مع اقتباس
قديم 2019-03-09, 18:10   رقم المشاركة : ( 2 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

المجلس الأول..
.
.
.
2
قلتُ: فأمهلني حتى أُفكّر
قال: لك ذلك...
فانزويتُ عنهُ ورُحتُ أحدّثُ نفسي . فانتهى بيَ التّفكيرُ الى اختيارِ رأسي
لما يتميّزُ بهِ من صلابةِ عظمِ النَّاصِيةِ . ثمّ عدلتُ عن ذلك وقلتُ:
لئنْ خرمَ السهمُ رأسي كانت إحدى الطّامتينِ الموتُ أو الجنونُ . فاخترتُ
بعد ذلكَ بطني ، ثمّ عدلتُ عن ذلك وقلتُ : كيفَ بك يا جُويشعُ إذا بُقرَ بطنُك وخرجتْ منه أمعاؤُك وكادَ أن يُغمى عليَّ . ثمّ اهتديتُ أخيراَ الى ساقي فالساقُ أهونُ وعظمُها أمتنُ ، لكنّي تذكّرتُ حالَ الأعرجِ الذي لا يستطيعُ قضاءَ حاجتهِ ، فأطرقتُ يائساً من سبيلِ الخروجِ من المأزقِ الذي وقعتُ فيهِ.
ولم أنتبهْ إلآّ على وقعِ صوتهِ المُزعجِ : أيُّ عضوٍ مِنكَ هانَ عليكَ يا خوّارُ؟؟
قلتُ : ليسَ ذاكَ ما يُشغلني يا صديقي..
قال : فماذا يُشغلكَ إذاً ؟؟!!..
قلتُ : فكّرتُ في حالكَ بعدي فخشيتُ أن يُصيبكَ ما أصابَ الرجلَ الذي غدرَ بالتّاجرِ بعدَ إذ أنجاهُ من الموتِ الأكيدِ.
قال : وكيفَ كانَ ذلكَ ؟؟
قلتُ : إنّ العاقلَ لا ينبغي لهُ أنْ يصطفيَ أحدًا ولا يَستخلصَهُ إلاّ بعدَ الخبرةِ
والتجربةِ . فإنَّ منْ أقدمَ على مشهورِ العدالةِ من غيرِ اختبارٍ وتمحيصٍ فبسطَ لهُ وُدّهُ وأفشاهَ سرَّهُ ، كانَ مُخاطراً في ذلكَ ومُشرفًا منهُ على هلاكٍ أو فسادٍ وإليكَ مثالُ ذلكَ :
زعمُوا أنَّ تاجرًا غنيّاَ مرَّ في أحدِ أسفارهِ برجلٍ قد أشرفَ على الهلاكِ بسببِ الظمإِ . فسقاهُ وأطعمهُ وأنسَ بصُحبتهِ . فحدّثهُ عن تجارتهِ وما بسطَ اللهُ عليهِ منَ النّعمةِ والرّزقِ .
فلمَّا سمعَ الرّجلُ ذلكَ وبصرَ بالمالِ والجواهرِ، لعبَ الشيطانُ بأمِّ رأسهِ وحدّثتهُ نفسهُ بالغدرِ، فانتظرهُ حتى نامَ وطعنهُ بخنجرٍ فقتلهُ . ثمّ أخذَ ما كانَ معهُ وانطلقَ في الفلاةِ حتى أدركهُ الليلُ فنامَ .

وكانَ في الزّادِ الذي احتملهُ قطعةُ لحمٍ ، وصادفَ أن كانَ بالقربِ منَ مكانهِ حيّةٌ في جحرٍ ، فوجدتِ الحيةُ ريحَ اللحمِ فخرجت تطلبهُ .
فلمّا استيقظَ الرجلُ مدَّ يدهُ لتناوُلِ اللحمِ فلدغتهً الحيّةُ فماتَ .
قال جُويشعُ : كلّ هذا وشوّاظُ لم يزلْ قائماً منتصبًا كالوتدِ فقلتُ لهُ :
وأنا أخشى عليكَ أنْ يُصيبكَ ما أصابَ هذا الرجلَ .
قال : هيهاتَ هيهاتَ ، فما أبعدَ هذا عن ذلكَ .
قلتُ : كيف ؟؟
قال : ذاكَ رجلٌ أنجاهُ صاحبهُ من الموتِ المحتومِ وأحسنَ إليهِ إذ قاسمهُ طعامَهُ ، فغدرَ بهِ فكانَ حريّاً أن يصيبهُ ما أصابهُ . أمّا عنّا نحنُ ، فأنا الذي أطعمتُك ممّا تشتهي وأمّنتُك ممّا تخافُ ، فإنْ كانَ فضلٌ فهو لي عليكَ وليسَ العكسُ .
قلتُ : فاستبقِني ولا تتعجّلْ في أمركَ ، عسَى أنْ أنفعكَ فإنَّ في العجلةِ النّدامةَ وفي التأنّي السّلامةَ .
وقد قال الحكماءُ : العجلُ بريدُ الزّللِ .
وقديماً قال الشاعرُ :
قد يُدركُ المُتأنّي بعضَ حاجتهِ
وقد يكونُ مع المستعجلِ الزّللُ
قال : كلُّ هذا لا ينفعُكَ ....
يتبع...

التعديل الأخير تم بواسطة محمد تمار ; 2019-03-09 الساعة 18:12

  رد مع اقتباس
قديم 2019-03-12, 14:03   رقم المشاركة : ( 3 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

المجلس الأوّل

3

قلتُ : فاستبقني ولا تتعجّلْ في أمركَ ، عسى أنْ أنفعكَ فإنَّ في العجلةِ النّدامةَ وفي التأنّي السلامةَ .
وقد قال الحكماءُ : العجلُ بريدُ الزّللِ .
وقديماً قال الشاعرُ :
قد يُدركُ المتأنّي بعضَ حاجتهِ
وقد يكونُ مع المستعجلِ الزّللُ

قال : كلُّ هذا لا ينفعُكَ ، فإنّي قد علمتُ أنَّ من ظفرَ بالسّاعةِ التي ينجحُ فيها عملهُ
ثمّ لا يُعاجلهُ بالذي ينبغي لهُ فليسَ بحكيمٍ .
ومنْ طلبَ الأمرَ الجسيمَ فأمكنهُ ذلكَ فأغفلهُ فاتهُ الأمرُ وهو خليقٌ ألاَّ تعودَ لهُ الفرصةُ ثانيةً.
ومنِ وجدَ عدوّهُ ضعيفاَ ، ولمْ يُنجزْ قتلهُ ندمَ إذا استقوى ولمْ يقدرْ عليهِ .
وقدِ اتّخذتكَ عدوّاً فعجّلْ باختيارِ الموضع وإلاَّ فقأتُ عينكَ بهذا السهمِ .
فقلتُ في نفسي : هذا ما جنيتهُ على نفسكَ يا جُويشعُ ، فقد علمتَ أنَّ منْ صحبَ الأشرارَ وهو يعلمُ حالهمْ كانَ أذاهُ من نفسهِ .
وإنَّ من الحزمِ سوءَ الظنِّ بمجهولِ السيرةِ والنّسبِ حتى يُتثبّتَ منهُ ، والكيّسُ من انتفعَ بظنّهِ قبلَ يقينهِ .
فقد قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه : ( منْ لمْ ينفعهُ ظنّهُ لمْ ينفعهُ يقينهُ ).
وقد سئلَ عمرو بنُ العاصِ رضي الله عنه عن العقلِ فقال : ( الإصابةُ بالظنِّ ومعرفةُ ما يكونُ بما قد كانَ).
وإنّهُ لا ينبغي للعاقلِ أنْ يتعجّلَ في اختيارِ الصّاحبِ فقدْ يُعجبكَ من مرءٍ
حلوُ مقالهِ ، وظاهرُ أفعالهِ ، حتى إذا سبرتَ أغوارهُ وكشفتَ أسرارهُ ، وجدتهُ خبيثَ
المخبإِ يتظاهرُ لك بالودِّ وهو منْ ألدِّ أعدائكَ .
فلاَ تغرركَ من مرءٍ وعودٌ
فعندَ الطّعنِ تُختبرُ الحرابُ

وقد تسيءُ الظنَّ بالرجلِ الضعيفِ الذي لا يؤبهُ لهُ حتى إذا ما بلوتهُ وجدتَ
فيهِ ضالّتكَ قال الشاعرُ :
ترى الرجل النحيفَ فتزدريهِ *** وفي أثوابهِ أسدٌ هصورُ
ويُعجبكَ الطّريرُ فتبتليهِ *** فيخلفُ ظنّكَ الرجلُ الطريرُ

والعاقلُ هو الذي يحتالُ للأمرِ قبلَ تمامهِ ووقوعهِ .
فالرّجالُ ثلاثةٌ : حازمٌ وأحزمُ منهُ وعاجزٌ . فأحدُ الحازمينِ من إذا نزلَ بهِ الأمرُ لم يدهشْ لهُ ، ولم يذهبْ قلبهُ شَعاعاً ، ولم تعيَ بهِ حيلتهُ ومكيدتهُ التي يرجو بها المخرجَ منهُ .
وأحزمُ منهُ المتقدّمُ ذو العدّةِ الذي يعرفُ الابتلاءَ قبلَ وُقوعهِ ، فيُعظمهُ
إعظاماً ، ويحتالُ لهُ كأنّهُ قد لزمهُ فيَحسمُ الدّاءَ قبلَ أنْ يُبتلى بهِ ، ويدفعُ
الأمرَ قبلَ وُقوعهِ ، وأمّا العاجزُ فهو في تردّدٍ وتوانٍ حتى يهلكَ .
وأنت يا جُويشعُ تربأُ بنفسكَ أن تكونَ الثالثَ . فلمْ يبقَ لكَ أمامَ هذا الخطرِ القائمِ سوى أحدِ المخرجينِ ، القتالُ أو الاحتيالُ .
فأمّا القتالُ فقدْ علمتَ أنّهُ لا سبيلَ للمرءِ الى قتالِ منْ لا يقوى عليهِ ، وأنَّ
من لا يعرفُ قدرَ نفسهِ وقدرَ عدوّهِ فقاتلَ من لا يقوى عليهِ كانَ متهوّراً ،
وحملَ نفسهُ على حتفهَا .
فليسَ أمامكَ سوى الاحتيالِ لهذا الأحمقِ الملعونِ .
فقلتُ : قبلتُ أنْ أختارَ لكَ عضواً ، لكنْ ليسَ قبلَ أنْ أستوثقَ منْ دقّةِ رميكَ .
قال: أما زلتَ تشكُّ في مهارتي بعدَ كلِّ الذي رأيتَ؟؟!!..
قلت : الأمرُ الآنَ يتعلّقُ بروحي التي بينَ جنبيَّ يا صديقي..
قال : فأيَّ شيءٍ تريدُ أنْ أرميهُ حتى يطمئنَّ قلبكَ ؟؟
فأنا لا أخطئُ هدفي ولو كانَ مختبئًا خلفَ زُحَل ، وضربَ صدرهُ بيدهِ مزهُوًّا بنفسهِ .
فقلتُ في نفسي: وقعتَ يا شوّاظُ ، وفاتكَ أن تعلمَ أنّ زلّةَ المتفوّقِ الغرورُ ، وأنَّ الغرورَ أخُو الحماقةِ من الرّضاعِ ..
ثمّ قلتُ لهُ : الشمسُ..وكانتِ الشمسُ قد توسطتْ كبدَ السماءِ .

فكانَ كلما حاولَ أنْ يُسدّدَ سهمهُ نحوهَا دمعتْ عيناهُ ولمْ يقوَ على تركيزِ نظرهِ
فيهَا ، فاستسلمَ وقال : أمنتَ يا جُويشعُ ، غلبتِ الحيلةُ الرميَ..غلبتِ الحيلةُ الرميَ..
فتركتهُ وانصرفتُ لحالي...

المراجع :
ـ العقد الفريد
ـ كليلة ودمنة ..بتصرف

  رد مع اقتباس
قديم 2019-03-21, 12:28   رقم المشاركة : ( 4 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

مجالس الأنس

المجلس الثاني


1

قال جُويشعُ الخوّارُ: تركتُ شوّاظَ بن جمرٍ غيرَ مصدّقٍ أنّي نجوتُ منهُ ، فترامتْ بي سفرةٌ
شاسعةٌ في مومَاةٍ واسعةٍ . ولم ألتفتْ ورائي طيلةَ مَسيري فرقاً منهُ.
وبينَا أنا كذلكَ أبصرتُ ظعينةً تتقدّمُها كوكبةٌ من الفرسانِ على رأسهمْ فارسٌ أسودُ
كأنّهُ جلمودُ صخرٍ على صَهوةِ حصانٍ . فناديتهُم : الغوثَ الغوثَ..
فأرسلَ إليَّ فارسينِ فأخذاني عندهُ فقال : ما وراءكَ ؟؟
قلتُ: البليّةُ تحملُ المنيّةَ ، جِنّيٌّ من رُماةِ سقرَ لو رمَى ولدَ البعوضِ
مستتِراً خلفَ أمّهِ لأصابهُ .
فقالت المرأةُ : ناشدتكَ اللهَ يا ابنَ العمِّ أن تعدلَ عن طريقهِ ، فاحمرّتْ عيناهُ وانتفختْ أوداجهُ
وأنشدَ يقولُ:
بكرتْ تُخوّفني الحُتوفَ كأنّني *** أصبحتُ عن غَرضِ الحُتوفِ بمَعزلِ
فأجَبتُها إنَّ المنيّةَ مَنهلٌ *** لا بدَّ أن أُسقَى بكَأسِ المَنهلِ
فاقنيْ حَياءَك لا أبَا لكِ واعلَمِي *** أنّيَ امرؤٌ سأموتُ إنْ لمْ أقتلِ
فقلتُ : عنترَةُ الفوارسِ ؟؟
والتفتُّ وَرائِي جهةَ شوّاظ وناديتُ بأعلى صَوتي ، تاللهِ لو لمْ يَمدحِ اللهُ
الكَاظمينَ الغيظَ والعافينَ عن النّاسِ لرجعنا إليكَ وأدّبناكَ يا رَمادُ بنُ فَحمٍ.
فقال عنترةُ: أتعرفني؟؟
قلتُ: ومن يجهلُ عنترةَ الفوارسِ أسدَ الأسودِ وفحلَ الشُّعراءِ ، الفارسُ

المغوارُ والبطلُ الكرّارُ الذي لا يُشقُّ لهُ غبارٌ . فجعلَ ينفخُ وينتفخُ ويلتفتُ الى المَرأةِ
حتى خشيتُ أنْ ينفَجرَ .
ثمّ قلتُ : ومَن لم يَسمعْ بعبلةَ جَوهرةِ الحُسنِ ودُرّةِ النّساءِ التي بلغَ من شغفهِ بهَا مبلغًا لا يطاقُ
حتَّى قالَ فيها في مُعلّقته الشَّهيرةِ " هَل غادرَ الشعراءُ " :
وأحبُّ لو أُسقيكِ غيرَ تملّقٍ
واللهِ من سَقمٍ أصابكِ من دَمِي
فقالت عبلةُ بصوتٍ رقيقِ لو كُلّمَ بهِ مشلولٌ لتفلّتَ من عِقالهِ : أكرمهُ يا ابنَ العمِّ .
فأشارَ الى أصحابهِ فأحضَروا شاةً فاشتويناهَا وتَحلّقنا حولهَا ، فلمّا رأيتُ القومَ
قد أحكمُوا المَيمنةَ والمَيسرةَ ، وتأهّبوا للهجومِ على الفريسةِ مع ما حباهُم اللهُ بهِ
من مَضاءِ الأسنانِ وحِدّةِ الأصابعِ أدركتُ أنّي لَن أقفوَ لهم أثراً ولن أقفَ لهم على خبرٍ .
وتذكّرتُ قولَ الشاعرِ:
وابنُ اللّبونِ إذا ما لُزَّ في قَرنٍ
لم يَستطعْ صولةَ البُزلِ القَناعِيسِ
فاقتطعتُ قطعةً تربُو على نِصفِ الجَديِ ، واحتضنتُها بشدّةِ فما زلتُ أنهسُها وأنهشُها
طولاً وعرضاً ، ورفعاً وخفضاً . حتى لم أترُك في عظامِهَا للخُنفساءِ قيلاً ولِلنّملةِ
مقيلاً .
يتبع...
ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
الظَّعِينَةُ : المرأة في الهودج
الموماة : الفلاة
ابنُ اللَّبُون : وَلَدُ الناقة إِذا استكمل السّنةَ الثّانيةَ
لزّ : شُدّ في حبل فاقترن بغيره
والبُزْل جمع بازل : وهو البعير أتمّ ثمانية أعوام
القناعيس جمع قِنْعَاس : وهو البعير الضخم القويّ

  رد مع اقتباس
قديم 2019-03-24, 14:28   رقم المشاركة : ( 5 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

مجالس الأنس

المجلس الثاني..


2

قال جويشعُ الخوّارُ:

فاقتطعتُ قطعةً تربُو على نِصفِ الجديِ ، واحتضنتُها

بشدّةِ فما زلتُ أنهسُها وأنهشُها طولاً وعرضاً ، ورفعاً وخفضاً ، حتى لم أترُك
في عظامِهَا للخُنفساءِ قيلاً وِللنّملةِ مقيلاً.
وبعد أن وضعتِ الحربُ أوزارَها ، ودفنَ الفرسانُ في الرّملِ ضحاياهَا وغيّبوا أحجارهَا .
اِلتفتَ إليّ عنترةُ وقال: أمَا آنَ لكَ أن تُحدّثنَا عن نفسِك يا أخَا العربِ؟؟
فقلت : أنا جُويشعُ الخَوّارُ البطلُ الكرّارُ و...
أقصدُ عاشقَ الأسفارِ وجامعَ الأخبارِ ، فهل لي أن أسألكَ عن أمورٍ عسَى أن ينتفعَ بها طالبُ علمٍ لم يحظَ بشرفِ لقائكَ ؟؟.
قال: سلْ ما بدَا لكَ يا جويشعُ.
قلت: حَدّثني عن صفةِ الحربِ والعملِ فيها .
قال: الحربُ أوّلها شكوَى ، وأوسطهَا نجوَى ، وآخرُها بلوَى .
أمّا عَن العَملِ فيها فينبغٍي اجتنابُ الخِلافِ وكثرةِ
الصّياحِ ، فالخلافُ فيها خورٌ ، والصّياحُ فشلٌ ، وينبغي
إعدادُ العيونِ وانتهازُ الفرصِ والمكيدةُ فيها أبلغُ من القوّةِ .
ويجبُ فيها بعدَ ذلك الصبرُ والإقدامُ فقد قالتِ
العربُ : إنّ الشجاعةَ وقايةٌ والجبنَ مقتلةٌ ، واعتبرْ
من ذلكَ أنَّ من يُقتلُ مُدبراً أكثرَ مِمَّن يُقتلُ مُقبلاً.
ـ فتنحنحتُ وعدّلتُ سَيفِي.
قال: والشجاعُ مُوقّى والجبانُ مُلقّى ، وكانَ
العربُ يتمادحُونَ بالموتِ قَعصاً ويَتهاجونَ بالموتِ
على الفرَاش ، ويقولونَ ماتَ فلانٌ حتفَ أنفهِ .

وبهذا المعنى جاء قولُ السموأل :
وما ماتَ منّا سيّدٌ حتفَ أنفهِ
ولا طُلّ منّا حيثُ كان قتيلُ
تسيلُ على حدِّ الظباتِ نفوسُنا
وليسَ على غيرِ السّيوفِ تسيلُ

وينبغي فيها تجنّبُ الكثرةِ التي تؤدّي الى الاتّكالِ
والقلّةِ التي تؤدّي الى الذلّةِ . فقد كنّا في يوم
الفروقِ مائةً فلم نكثرْ فنتّكِل ولم نقلّ فنذِلّ.

قلت : صدقتَ لقد جمعَ اللهُ تباركَ وتعالى تدابيرَ
الحربِ كلَّها في آيتنينِ من كتابهِ العَزيزِ
فقال تعالى : " يا أيّها الذينَ آمنوا إذا لقيتمْ فئةً فاثبتوا
واذكرُوا اللهَ كثيرًا لعلكم تفلحُون وأطيعوا اللهَ ورسُولهُ ولا تنازعُوا فتفشَلوا وتذهبَ ريحُكم واصبرُوا إنّ اللهَ معَ الصابرين ".
قال: وما شأنُ هذا الكتابِ؟..
فحدّثتهُ عن الإسلامِ وما كانَ من أمرِ بعثةِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ونزولِ القرآنِ الكريمِ وما كانَ من شأنِ العربِ بعدهُ .
فقال: واللهِ لو عَاصرتُ صَاحبَكم لناصرتُه .
ثمّ قال: فمَن مِن شُعرائِكم ذاعَ صِيتُهُ واشتهرَ حتَّى تردّدَ اسمُه على كلّ لسانٍ؟
قلت: أبو الطيّب المتنبّي.
قال : فما أفخرُ بيتٍ قالهُ ؟

قلت : الخيلُ والّليلُ والبيداءُ تَعرفُنِي
والسَّيفُ والرُّمحُ والقِرطاسُ والقَلمُ

قال : قد أجادَ ، فما أهجَى بيتٍ قالهُ؟
قلت : اعفِني
قال : كَلاّ
قلت : اعفِني
قال : لا بدّ منهُ .
قلت : أستأمنُ إذاً .
قال: قد أمّناكَ..فكرّرتُها فغضبَ وقال: ويحكَ قد أمّناكَ .
ففهمتْ عبلةُ أنّي أعنيهَا فقالتْ: قد أمّناكَ يا جويشعُ .
فقلت: أهجَى بيتٍ قالهُ :

لا تَشترِ العبدَ إلاّ والعصَا معهُ
إنّ العبيدَ لأنجاسٌ مناكيدُ

فهاجَ وماجَ وأرغى وأزبدَ …

يتبع..
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
• طَلَّ دَمُ القَتِيلِ : هَدَرَ وَبَطَلَ وَلَمْ يُثْأَرْ بِهِ وَلَمْ تُؤْخَذْ دِيَّتُهُ
• الظُّبَةُ : حَدُّ السَّيْفِ والسِّنَانِ والخَنْجَرِ

  رد مع اقتباس
قديم 2019-04-04, 16:09   رقم المشاركة : ( 6 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

مجالس الأنس

المجلس الثاني..


3

فهاجَ وماجَ وأرغى وأزبدَ ثمّ قالَ : آهِ لولاَ أنَّ وعدَ الحرّ دينٌ لفصلتُ رأسكَ عن جسدِك.
فقلت : لا عليكَ يا سيّدَ الفوارسِ ، ليَهدأ هائجُك ولتسكُن فورَتكَ فإنّ الاسلامَ قد عالجَ هذهِ المشكلةَ فرغّبَ في عتقِ الرقابِ وجعلهَا من بين الكفّاراتِ حتىأتىَ على الناسِ حينٌ من الدّهرِ لم يعدِ الرقُّ شيئا مذكوراً.
قال : ما أعظمَ هذا الدّين .

ثمّ إنّ شيبوبَ أخا عنترة ـ وكان رجلاً مرحًا ـ لمّا رأى فورةَ عنترة أرادَ أن يلطّفَ الأجواءَ فقال: حَدّثنا عن الجبنِ وفضائلِه يا سيّدَ الجبناءِ.
فقلتُ: لقد تطاولتَ يا شيبوبُ ، وأسأتَ الأدبَ ، وواللهِ لولاَ وجودُ أخيكَ الى جانِبكَ لأريتكَ نجومَ السماءِ في عزّ الظهيرة. ولولاَ بياضُ قلبكَ وحسنُ قصدكَ لما أجبتكَ بغيرِ هذَا ، وأشرتُ الى سَيفي الذي ليسَ بينهُ وبينَ قطعةِ الخشبِ فرقٌ.
ثمّ قلتُ: إعلمْ يا شيبوبُ أنّ العاقلَ يدركُ أنّ لِكلّ أجلٍ كتابًا لا يحيدُ عنهُ قيدَ أنملةٍ ، لذلكَ اطمأنَّ قلبُه عندَ الشَّدائدِ ، وسكنتْ نفسُه عندَ الملمّاتِ وهذا ما جعلَ الإمامَ عليّ كرّم الله وجهَه يقولُ بصفِّين بينَ الصفّينِ :

أيُّ يَوميَّ من الموتِ أفرّْ
يومَ لا يُقدرُ أم يومَ قُدرْ
يومَ لا يُقدرُ لا أرهبهُ
ومنَ المَقدورِ لا يُنجِي الحذرْ

واعلمْ أنّهُ ما سلِمَ إنسانٌ قطُّ من ذُعرٍ قبلَ بَدءِ الاقتتالِ إلاّ أنّ الذّعرَ أشكالٌ وألوانٌ . فأقبحُه ما أطاشَ العقلَ ، وأغاضَ الصَّبرَ ولقد قالَ هشامُ بنُ عبدِ الملكِ لأخيهِ مسلمةَ : يا أبا سعيدٍ هلْ دخلكَ ذعرٌ قطّ لحربٍ أو عدوٍّ ؟
فقال: ما سلمتُ في ذلكَ من ذعرٍ ينبّهُ عليَّ حيلةً ، ولم يَغشنِي ذعرٌ قطُّ سَلبَنِي رَأيي.
قال هشامُ: صدقتَ ، هذهِ واللهِ البسالةُ.

وقد قال عمرُ بن معدِ كرِب وهو كمَا علمتَ من أشهرِ فرسَانِ العربِ: الفزعاتُ ثلاثٌ ، فمنْ كانتْ فزعتُه في رجليهِ فذلكَ الذي لا تقلّهُ رجلاهُ .
فقال شيبوبُ : هذا أنتَ يا جويشعُ ، فضحكَ القومُ جميعًا.

وواصلتُ كلامِي قائلاً : ومنْ كانتْ فزعتُه في رأسِه فذلكَ الذي يفرُّ من أبويهِ . ومن كانتْ فزعتُه في قلبهِ فذلكَ الذي يقاتلُ .
وليسَ الشُّجاعُ هو ذلكَ المستخفُّ بعدوّهِ المعتدُّ بنفسهِ . فالعاقلُ لا يستصغرُ عدوّهُ أبدًا ، فمَن استصغرَ عدوّهُ اغترَّ بهِ ، ومَن اغترَّ بعدوّهِ لم يسلمْ منهُ . إنّمَا رجلُ الحربِ هو ذاكَ الذي إذا كشفتْ الحربُ عن ساقٍ شاورَ الشُّجعانَ منْ أولِي العَزمِ ، والجُبناءَ من أولي الحزمِ ، ثمّ خلّصَ مِن بينِ الرأيينِ نتيجةً تحمِلُ عنهُ مَعرّةَ الجبانِ وتَهوّرَ الشُّجعانِ فتكونُ أنفذَ مِن السَّهمِ الزّالجِ والحُسامِ الوالجِ .

ولقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : (ليسَ الشديدُ بالصّرعةِ إنمَا الشديدُ

الذي يملكُ نفسَه عند الغضبِ) .
وقال صلّى الله عليه وسلّم: (الحربُ خدعةٌ) .

وأوصَى المهلّبُ بنيهِ فقالَ: عليكمْ بالمَكيدةِ فإنّهَا أبلغُ من النَّجدةِ .
والعاقلُ يسألُ اللهَ العافيةَ ويتوخّاهَا ما أمكنهُ ذلكَ ، لأنَّ النَّفقةَ في القتالِ من الأنفسِ . فإذا لم يجدْ بُدًّا منهُ أبلَى بلاءَ من لا يرغبُ في العَودةِ الى الحياةِ الدنيَا.

قال الشاعر:
ولا أتمنّى الشرَّ والشرُّ تارِكي
ولكنْ متَى أُحملْ على الشرِّ أركبِ
ولستُ بِمِفراحٍ إذا الدَّهرُ سَرّني
ولا جَازعٍ مِن صَرفهِ المُتقلّبِ

يتبع...

  رد مع اقتباس
قديم 2019-04-14, 14:49   رقم المشاركة : ( 7 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

مجالس الأنس

المجلس الثاني...


4

ولا أتمنّى الشرَّ والشرُّ تارِكي
ولكنْ متَى أُحملْ على الشرِّ أركبِ
ولستُ بِمفراحٍ إذا الدهرُ سَرّني
ولا جَازعٍ مِن صَرفهِ المُتقلّبِ

ولذلك صعبَ على خلقٍ كثيرٍ التمييزُ بين الجبنِ والحذرِ ، والشجاعةِ والتهوّرِ ، ومن أغربِ وأعجبِ ما وردَ في ذلكَ أنّ عمرو بن العاص رضي الله عنه سألَ معاويةَ رضي الله عنه فقال : واللهِ ما أدري أشجاعٌ أنت أم جبانٌ يا أميرَ المؤمنين؟؟
فقال معاوية رضي الله عنه:

شجاعٌ إذا ما أمكنتنيَ فرصةٌ
وإن لمْ تكنْ لي فرصةٌ فجبانُ

فلمّا أنهيتُ كلامي قال شيبوبُ : واللهِ ما لي شيءٌ أضيفهُ الى قولكَ غيرَ هذا الشطرِ:
كفى الجبنَ فضلاً أن تكونَ مؤازرَهْ

فقلتُ :
وباءَ بذلّ الدهرِ منْ كنتَ ناصرَهْ

فضحكَ القومُ مرة أخرى بما فيهم عبلةُ ، فقال عنترةُ : كفاكم تناوشًا وتشاكسًا ، ثمّ التفتَ إليّ وقال:
لستُ أدري بما أكافِئكَ يا جُويشعُ ، فلقد أفضتَ وأجدتَ وأعدتَ الى عبلةَ ابتسامتهَا
بعدَ حزنٍ طويلٍ ، فهل عندكَ ما تزيدُنا به متعةً ؟؟

فعدّلتُ ردائي وحسّنتُ منْ جلستي ثمّ قلتُ :
حدّثنا أبو حيّةَ النُميرِي ـ وكان كذّابًا ـ قال:
كان لي جارٌ له سيفٌ ليسَ بينهُ وبينَ الخشبةِ فرقٌ ، وكانَ يسمّيهِ لعابَ المنيّةِ . فأشرفتُ عليه ذاتَ ليلةٍ وقد انتضاهُ وهو واقفٌ على بابِ بيتٍ في دارهِ يقولُ : إيهًا أيّها المغترُّ بنا والمُجترئُ علينا ، بئسَ والله ما اخترتَ لنفسكَ ، خيرٌ قليلٌ وسيفٌ صقيلٌ ، لعابُ المنيّةِ الذي سمعتَ بهِ ، مشهورةٌ ضربتهُ ، لا تُخافُ نبوتهُ . اُخرجْ بالعفوِ عنكَ لا أدخلُ بالعقوبةِ عليكَ . إنّي واللهِ إن أدعُ قيسًا تملأُ الفضاءَ خيلاً ورجلاً ، يا سبحانَ اللهِ ما أكثرهاَ وأطيبهَا .ثمّ فتحَ البابَ فإذا كلبٌ قد خرجَ فقال : الحمدُ للهِ الذي مسخكَ كلبًا وكفاني منكَ حربًا .


فضحكَ عنترةُ حتَّى استلقَى على ظَهرهِ وضَحكتْ عبلةُ فنظرتُ إليهَا فإذا ثغرٌ كمثلِ
الأقحوانِ منوّرٌ ...نقيُّ الثنايا أشنبٌ غيرُ أثعلِ .
فسبا فؤادي حسنُها ، فلم أشعر ورحتُ

أردّدُ من شعرِ امرئ القيسِ :
تقولُ وقد مالَ الغبيطُ بنا معًا
عقرتَ بعِيري يا جويشعُ فانزلِ
فقلتُ لها سيري وأرخي زمامَهُ
ولا تبعدِيني مِن جَناكِ المعلّلِ

فصَاحَ عنترةُ صَيحةً ارتجَّت لهَا الأرضُ تحتَ قدَمِي ، ورفعَ سَيفهُ حتَّى بانَ لي إِبطهُ
فكأنّهُ عشُّ بازيٍّ ، فصَعقتُ لهولِ الموقفِ ، فصَرختْ عبلةُ في وجههِ قائلةً :
ويحكَ يا ابنَ العمّ أسرّكَ أن تلصِقَ بنفسكَ العارَ أبدَ الدَّهرِ ؟؟..
فقال عنترةُ : سَبقَ السيفُ العذلَ يا عبلةُ ، أما سَمعتِ ما كانَ يقولُ ؟؟
ولمّا استيقظتُ صَباحَ اليومِ التَّالي ، وجَدتُنِي داخلَ بركةٍ صَغيرةٍ من كثرةِ ما أُهريقَ
عليّ من مَاءٍ
فقلتُ : هلكَ القومُ عطشًا...

يتبع...

  رد مع اقتباس
قديم 2019-04-17, 23:01   رقم المشاركة : ( 8 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

l^hgs hgHks

المجلس الثالث..


1

حدّثنا جويشعُ الخوّارُ قال: دخلتُ دمشقَ وليسَ مَعِي دِرهمٌ ولا دينارٌ ، ولمَغصِ

الجُوعِ في بَطنِي وخزٌ كوَخزِ السَّكاكينِ ، وبينمَا أنا أجوبُ شَوارعهَا
بحثاً عن لُقمةِ عَيشٍ أسدُّ بهَا رمَقِي ، إذَا بقصرٍ عَظيمٍ قد تَحلّقَ النّاسُ
حولَ بَابهِ جماعاتٍ جماعاتٍ ، فدنَوتُ مِن أحَدهِم وسَألتهُ عَن أمرهِم
فقال: أذنَ عبدُ الملكِ بن مروان للنّاسِ في الدّخُولِ عليهِ إذنًا خاصًّا ، فدخلَ
شيخٌ رثُّ الهَيئةِ لم يأبهْ له الحَرسُ ، فألقَى بين يدَي عبدِ الملكِ
صحيفةً وخرجَ فلم يُدر أين ذهبَ ، وإذا فيهَا :
" بسم الله الرحمن الرحيم يا أيّها الإنسانُ إنّ اللهَ قد جعلكَ بينهُ
وبينَ عبادهِ فاحكمْ بينهم بالحَقّ ولا تتّبعِ الهوَى فيُضلّكَ عن سبيلِ اللهِ ، إنّ الذين
يضلّونَ عن سبيلِ اللهِ لهم عذابٌ شديدٌ بما نسُوا يومَ الحسابِ ، ألا يظنُّ
أولئك أنّهم مبعوثونَ ليومٍ عظيمٍ ، يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمينَ ، ذلكَ يومٌ
مجموعٌ له الناسُ وذلكَ يومٌ مشهودٌ ، وما نؤخرهُ إلاّ لأجلٍ معدودٍ ، إنّ اليومَ
الذي أنتَ فيهِ لو بقيَ لغيركَ ما وصلَ اليكَ ، فتلكَ بيُوتهُم خاويةٌ بما ظلمُوا ، وإنّي
أحَذّرُك يومَ يُنادي المُنادي احشرُوا الذين ظلمُوا وأزواجَهم ، ألا لعنةُ
اللهِ على الظّالمينَ ، فلا يُطمعكَ يا أميرَ المؤمنينَ في طولِ البَقاءِ ما يظهرُ لكَ
في صحّتِك فأنتَ أعلمُ بنفسكَ ، واذكرْ ما تكلمَ به الأوّلونَ :
إذا الرّجالُ ولدتْ أولادُها
وبليَتْ من كبرٍ أجسادُها
وجعَلتْ أسقامُها تعتادُها
تلكَ زروعٌ قد دنَا حصادُها
قال: فتغيّرَ وجهُ عبدِ الملكِ ، وبكَى حتَّى بلّ طرفَ ثوبهِ ودخلَ دارَ حرمِه ولم تزلْ
الكآبةُ عليهِ ، فنادَى مُنادٍ في المدينةِ أنّ أميرَ المؤمنينَ عبدَ الملكِ بنِ مروانَ قد
جعلَ عشرةَ آلافِ درهمٍ لمنْ يُسرّي عنهُ ، فهذا سببُ ما ترَى من اجتماعِ النَّاسِ حولَ القصرِ .
قال جويشعُ : فلمّا سَمعتُ كلامَ الرجلِ ، فكّرتُ أن أدخلَ في منْ يدخلُ على
أميرِ المؤمنينَ علّي أستطيعُ التّخفيفَ عنهُ وأحظىَ بالجائزةِ ، فتنحّيتُ عن
القومِ غيرَ بعيدٍ وجُلتُ بفكري في ما أحفظهُ من أدبِ الدّخُولِ على الملوكِ وأحسنَ
ما قيلَ في مُخاطبتِهم ، لكنَّ شيئًا من الخوفِ تملّكني فقلتُ في نفسي : إنّك بدخولكَ
على الخليفةِ تغرّرُ بنفسكَ يا جويشعُ فأنتَ تعلمُ أنّ مُصاحبَ السّلطانِ كر*كبِ
البحرِ إذا سلمَ من الغرقِ لم يسلمْ من المخاوفِ ، ومن دخلَ على الأسدِ في غابتهِ
لم يأمنْ من وثبتهِ ، فما شأنكَ أنتَ بعبدِ الملكِ بن مروانَ إذا ضحكَ أو بكىَ ، فالخيرُ
لكَ أن تلزمَ حدّكَ وتعرفَ قدرَ نفسكَ . لكنّي عدتُ الى نفسي وردَعتهَا فقلتُ:
هيهاتَ هيهاتَ لا بدَّ من هذا الأمرِ أيّتُها النفسُ ولو كانَ فيهِ حتفكِ ، فإنّهُ لا يبلغُ أحدٌ
مرتبةً إلاّ بإحدَى ثلاثٍ ، إمّا بمشقّةٍ تنالهُ في نفسهِ ، وإمّا بوضيعةٍ في مالهِ
أو وكسٍ في دينهِ . ومن لم يركبِ الأهوالَ لم ينلِ الرّغائبَ .
وبعدَ ساعةٍ فتحَ الحرسُ البابَ وأُذنَ لنا في الدّخولِ ، فإذا أميرُ المؤمنينَ
بين وزرائهِ وحرسهِ فدنوتُ منهُ لأتمكنَ من رؤيتهِ عن كثبٍ ، فإذا هو ربعةٌ
ليسَ بالنّحيفِ ولا البادنِ ، مقرونُ الحاجبينِ أشهَل، كبيرُ العينينِ ، دقيقُ الأنفِ
حسنُ الوجهِ ، أبيضُ الرأسِ واللّحيةِ .
وبدأَ النّاسُ يتقدّمونَ بين يديهِ الواحدَ تلوَ الآخرِ فما ترَكوا نادرةً غريبةً ولا حكمةً
فريدةً إلاّ ذكرُوهَا ، غيرَ أنَّ ذلكَ كلّهُ لم يُسرِّ عنهُ ، فلمّا صارَ الكلامُ إليّ
تقدمتُ تقدمَ الواثقِ من نفسهِ ، المغترِّ بحفظهِ فلاحظَ عبدُ الملكِ عليّ ذلكَ
فقال: من أنت؟؟
فقلت: أنا جويشعُ الخوّارُ ، قوّامُ الليلِ صَوّامُ النّهارِ ، الزّاهدُ في ما عندَ
النّاسِ ، الطّامعُ في ما عندَ العزيزِ الغفّارِ..
قال : وما عندكَ؟؟
فأسمعتهُ مقالةً كنتُ قد استظهرتهَا قبلَ دخولي عليهِ ، سبرتُ أغوارهَا
وأدركتُ أسرارهَا ، لكنّي لهولِ الموقفِ نكّستُ فيهَا فاختلّتْ معانيهَا
فقلت:
يا أميرَ المؤمنينَ إنّهُ ليُسكتنِي الأنسُ بكَ وتُنطقنِي الهيبةُ لكَ ، وأراكَ تخافُ
أشياءَ آمنُها عليكَ ، أفأقولُ مطيعًا أم أسكتُ مشفقًا ؟؟
فتغيّرَ وجهُه وقال : يا حاجبُ إليّ بالجلاّدِ ..
فدخلَ كائنٌ حيٌّ يزحفُ زحفًا لا تميّزُ لهُ فمًا ولا أنفًا ، يكادُ رأسهُ
يذهبُ بأعالي الأستارِ . فاعترانِي خوفٌ شديدٌ ورجعتُ باللاّئمةِ على نفسِي وقلتُ:
يداكَ أوكتَا وفوكَ نفخَ ، لقد وقعَ ما كنتَ تخشاهُ يا جويشعُ ، لكنْ معَ ذلكَ
لا ينبغِي لكَ أن تستَسلمَ للنّدمِ وتدعَهُ يشلُّ فكركَ ويفلُّ عزيمتكَ فقد علمتَ
أنّ العاجزَ في تردّدٍ وتوانٍ حتّى يهلكَ . فتمالكتُ أمري وقلتُ: أهذا لي
وحدِي أم لكافّةِ من تكلمَ يا أميرَ المؤمنين ؟؟

يتبع...

  رد مع اقتباس
قديم 2019-04-17, 23:02   رقم المشاركة : ( 9 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

مجالس الأنس

المجلس الثالث.

1

حدّثنا جويشعُ الخوّارُ قال: دخلتُ دمشقَ وليسَ مَعِي دِرهمٌ ولا دينارٌ ، ولمَغصِ
الجُوعِ في بَطنِي وخزٌ كوَخزِ السَّكاكينِ ، وبينمَا أنا أجوبُ شَوارعهَا
بحثاً عن لُقمةِ عَيشٍ أسدُّ بهَا رمَقِي ، إذَا بقصرٍ عَظيمٍ قد تَحلّقَ النّاسُ
حولَ بَابهِ جماعاتٍ جماعاتٍ ، فدنَوتُ مِن أحَدهِم وسَألتهُ عَن أمرهِم
فقال: أذنَ عبدُ الملكِ بن مروان للنّاسِ في الدّخُولِ عليهِ إذنًا خاصًّا ، فدخلَ
شيخٌ رثُّ الهَيئةِ لم يأبهْ له الحَرسُ ، فألقَى بين يدَي عبدِ الملكِ
صحيفةً وخرجَ فلم يُدر أين ذهبَ ، وإذا فيهَا :
" بسم الله الرحمن الرحيم يا أيّها الإنسانُ إنّ اللهَ قد جعلكَ بينهُ
وبينَ عبادهِ فاحكمْ بينهم بالحَقّ ولا تتّبعِ الهوَى فيُضلّكَ عن سبيلِ اللهِ ، إنّ الذين
يضلّونَ عن سبيلِ اللهِ لهم عذابٌ شديدٌ بما نسُوا يومَ الحسابِ ، ألا يظنُّ
أولئك أنّهم مبعوثونَ ليومٍ عظيمٍ ، يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمينَ ، ذلكَ يومٌ
مجموعٌ له الناسُ وذلكَ يومٌ مشهودٌ ، وما نؤخرهُ إلاّ لأجلٍ معدودٍ ، إنّ اليومَ
الذي أنتَ فيهِ لو بقيَ لغيركَ ما وصلَ اليكَ ، فتلكَ بيُوتهُم خاويةٌ بما ظلمُوا ، وإنّي
أحَذّرُك يومَ يُنادي المُنادي احشرُوا الذين ظلمُوا وأزواجَهم ، ألا لعنةُ
اللهِ على الظّالمينَ ، فلا يُطمعكَ يا أميرَ المؤمنينَ في طولِ البَقاءِ ما يظهرُ لكَ
في صحّتِك فأنتَ أعلمُ بنفسكَ ، واذكرْ ما تكلمَ به الأوّلونَ :
إذا الرّجالُ ولدتْ أولادُها
وبليَتْ من كبرٍ أجسادُها
وجعَلتْ أسقامُها تعتادُها
تلكَ زروعٌ قد دنَا حصادُها
قال: فتغيّرَ وجهُ عبدِ الملكِ ، وبكَى حتَّى بلّ طرفَ ثوبهِ ودخلَ دارَ حرمِه ولم تزلْ
الكآبةُ عليهِ ، فنادَى مُنادٍ في المدينةِ أنّ أميرَ المؤمنينَ عبدَ الملكِ بنِ مروانَ قد
جعلَ عشرةَ آلافِ درهمٍ لمنْ يُسرّي عنهُ ، فهذا سببُ ما ترَى من اجتماعِ النَّاسِ حولَ القصرِ .
قال جويشعُ : فلمّا سَمعتُ كلامَ الرجلِ ، فكّرتُ أن أدخلَ في منْ يدخلُ على
أميرِ المؤمنينَ علّي أستطيعُ التّخفيفَ عنهُ وأحظىَ بالجائزةِ ، فتنحّيتُ عن
القومِ غيرَ بعيدٍ وجُلتُ بفكري في ما أحفظهُ من أدبِ الدّخُولِ على الملوكِ وأحسنَ
ما قيلَ في مُخاطبتِهم ، لكنَّ شيئًا من الخوفِ تملّكني فقلتُ في نفسي : إنّك بدخولكَ
على الخليفةِ تغرّرُ بنفسكَ يا جويشعُ فأنتَ تعلمُ أنّ مُصاحبَ السّلطانِ كر*كبِ
البحرِ إذا سلمَ من الغرقِ لم يسلمْ من المخاوفِ ، ومن دخلَ على الأسدِ في غابتهِ
لم يأمنْ من وثبتهِ ، فما شأنكَ أنتَ بعبدِ الملكِ بن مروانَ إذا ضحكَ أو بكىَ ، فالخيرُ
لكَ أن تلزمَ حدّكَ وتعرفَ قدرَ نفسكَ . لكنّي عدتُ الى نفسي وردَعتهَا فقلتُ:
هيهاتَ هيهاتَ لا بدَّ من هذا الأمرِ أيّتُها النفسُ ولو كانَ فيهِ حتفكِ ، فإنّهُ لا يبلغُ أحدٌ
مرتبةً إلاّ بإحدَى ثلاثٍ ، إمّا بمشقّةٍ تنالهُ في نفسهِ ، وإمّا بوضيعةٍ في مالهِ
أو وكسٍ في دينهِ . ومن لم يركبِ الأهوالَ لم ينلِ الرّغائبَ .
وبعدَ ساعةٍ فتحَ الحرسُ البابَ وأُذنَ لنا في الدّخولِ ، فإذا أميرُ المؤمنينَ
بين وزرائهِ وحرسهِ فدنوتُ منهُ لأتمكنَ من رؤيتهِ عن كثبٍ ، فإذا هو ربعةٌ
ليسَ بالنّحيفِ ولا البادنِ ، مقرونُ الحاجبينِ أشهَل، كبيرُ العينينِ ، دقيقُ الأنفِ
حسنُ الوجهِ ، أبيضُ الرأسِ واللّحيةِ .
وبدأَ النّاسُ يتقدّمونَ بين يديهِ الواحدَ تلوَ الآخرِ فما ترَكوا نادرةً غريبةً ولا حكمةً
فريدةً إلاّ ذكرُوهَا ، غيرَ أنَّ ذلكَ كلّهُ لم يُسرِّ عنهُ ، فلمّا صارَ الكلامُ إليّ
تقدمتُ تقدمَ الواثقِ من نفسهِ ، المغترِّ بحفظهِ فلاحظَ عبدُ الملكِ عليّ ذلكَ
فقال: من أنت؟؟
فقلت: أنا جويشعُ الخوّارُ ، قوّامُ الليلِ صَوّامُ النّهارِ ، الزّاهدُ في ما عندَ
النّاسِ ، الطّامعُ في ما عندَ العزيزِ الغفّارِ..
قال : وما عندكَ؟؟
فأسمعتهُ مقالةً كنتُ قد استظهرتهَا قبلَ دخولي عليهِ ، سبرتُ أغوارهَا

وأدركتُ أسرارهَا ، لكنّي لهولِ الموقفِ نكّستُ فيهَا فاختلّتْ معانيهَا
فقلت:
يا أميرَ المؤمنينَ إنّهُ ليُسكتنِي الأنسُ بكَ وتُنطقنِي الهيبةُ لكَ ، وأراكَ تخافُ
أشياءَ آمنُها عليكَ ، أفأقولُ مطيعًا أم أسكتُ مشفقًا ؟؟
فتغيّرَ وجهُه وقال : يا حاجبُ إليّ بالجلاّدِ ..
فدخلَ كائنٌ حيٌّ يزحفُ زحفًا لا تميّزُ لهُ فمًا ولا أنفًا ، يكادُ رأسهُ
يذهبُ بأعالي الأستارِ . فاعترانِي خوفٌ شديدٌ ورجعتُ باللاّئمةِ على نفسِي وقلتُ:
يداكَ أوكتَا وفوكَ نفخَ ، لقد وقعَ ما كنتَ تخشاهُ يا جويشعُ ، لكنْ معَ ذلكَ
لا ينبغِي لكَ أن تستَسلمَ للنّدمِ وتدعَهُ يشلُّ فكركَ ويفلُّ عزيمتكَ فقد علمتَ
أنّ العاجزَ في تردّدٍ وتوانٍ حتّى يهلكَ . فتمالكتُ أمري وقلتُ: أهذا لي
وحدِي أم لكافّةِ من تكلمَ يا أميرَ المؤمنين ؟؟

يتبع...

التعديل الأخير تم بواسطة محمد تمار ; 2019-04-17 الساعة 23:04

  رد مع اقتباس
قديم 2019-04-27, 13:31   رقم المشاركة : ( 10 )
محمد تمار

أديــب و شـــاعر


الصورة الرمزية محمد تمار





علم الدولة Algeria



محمد تمار غير متصل

مجالس الأنس

المجلس الثالث...


2

. فتمالكتُ أمري وقلتُ: أهذا لي وحدِي أم لكافّةِ من تكلمَ يا أميرَ المؤمنين ؟؟
قال : بل لكَ وحدكَ.
قلت: فهل يأذنُ أميرُ المؤمنين في سؤالٍ ؟
قال: سلْ .
قلت : أهوَ مِن بقايَا عادٍ أم مِن مُخلّفاتِ ثمودَ ؟
فابتسمَ ابتسَامةً خفيفةَ وأشارَ الى الجلاّدِ بالانصِرافِ.
فَاشرأبَّ القوم ينظرُون إليّ ، وحَدَثت حَركةٌ خَفِيفةٌ في المَجلسِ ، وبدَتِ الغِبطةُ
علَى وُجوهِ البعضِ. وكانَ الفَرزدقُ بينَ الحَاضرينَ ولَم أكُن أَعرفُه من قبلُ ، فقالَ:
رَحمَ اللهُ امرءًا عرفَ قَدرهُ فوقفَ عندَهُ .
فقلتُ: مَن هذا المُتهجِّمُ علينَا دُونَ أَن يَنالَه مِنّا مَا يَكرهُ ؟
كانَ يَحسُنُ بكَ يَا شَبيهَ الفَرزدَقةِ أَن تَعظَ بهذَا الكَلامِ نَفسكَ قبلَ أَن تَعظَ بهِ غَيركَ .
أَلم يَبلغكَ أنَّ مَن تَدخّلَ في مَا لاَ يَعنيهِ سَمعَ مَا لاَ يُرضيهِ ؟.

فضَحكَ عبد الملك بن مروان حتَّى بَانَت أَسنَانهُ ـ فإذَا هِيَ مُشَبّكةٌ بِالذَّهبِ وقالَ:
أصَبتهُ يَا جُويشِعُ .
فقلتُ: أَهُو الفَرزدقُ؟
قالَ: أجَل.
قلتُ : تَسمعَ بِالمُعِيديِّ خَير مِن أَن تَراهُ ، كُنتُ أَحسَبهُ ذَا عَقلٍ يُجنِّبهُ سَقطاتِ الحَمقَى.
قالَ: أتَحفظُ شيئًا مِمَّا هَجاهُ بهِ جَريرٌ؟
قلتُ : أجَل

إنّ القصائدَ قد جدَعنَ مجاشعًا
بالسُمِّ يُلحمُ نسجُها ويُنارُ
ولقَوا عَواديَ قد عَييتَ بنَقضهَا
ولقد نقضتَ فمَا بكَ استِمرارُ
قد كانَ قومُك يَحسبُونكَ شَاعرًا
حتَّى غرقتَ وضَمّك التيّارُ

فثَارَت ثَائِرةُ الفَرزدقِ ولاَحظَ أميرُ المُؤمنين عَليهِ ذَلكَ فقالَ:
وبمَاذا أَجبتَهُ يَا أبَا فٍراسٍ ؟
فَعدّلَ إِزارَهُ وانتصبَ قَائمًا وقالَ :

لن تُدركوا كَرمي بلؤم أبيكمُ
وأوَابدِي بتَنحّلِ الأشعارِ
كَم عَمّةٍ لك يا جريرُ وخالةٍ
فَدعَاءَ قد حلبتْ عليّ عِشاري

ثُمّ التفتَ إليّ وقالَ:

إنّ الذي سمكَ السماءَ بنى لنا
بيتا دعائمهُ أعزُّ وأطولُ
بيتًا بناهُ لنا المليكُ وما بنى
حكمُ السماءِ فإنّهُ لا ينقلُ
بيتاً زرارةُ مُحتبٍ بفنائهِ
ومجاشعٌ وأبو الفوارسِ نهشلُ
لا يَحتبي بفناءِ بيتكَ مثلهمْ
أبدًا إذا عُدَّ الفعالُ الأفضلُ

فقلتُ : لكنَّ جَريرا يا أمير المؤمنين أرسلَ علَى كُلِّ بَيتٍ صَاعِقةً نَسفَتهُ وَأخرَست

لِسَانَ الفرزدق فقالَ:

إنَّ الذِي سمكَ السّماءَ بنَى لنا
بيتًا عَلاكَ فمَا لهُ مِن مَنقلِ
أخزَى الذِي سَمكَ السماءَ مُجاشعًا
وبنَى بناءكَ في الحَضيضِ الأسفلِ

وأجَابهُ عن فَخرهِ بِنهشَل وهُم مِن غَير قَومِه

أعيتكَ ماثرةُ القُيونِ مجاشعٌ
فانظرْ لعلّكَ تدّعِي مِن نَهشلِ

فضَحكَ عبد الملك وقالَ : كُفَّ عَنهُ يَا جويشع ، لقَد أَغضَبتهُ وَأخشَى عَليكَ لِسانَه .
فقلتُ : لاَ تُشغِل بَالكَ يَا أَميرَ المُؤمنين ، لاَ نَسبَ يَضعُه ولاَ شَرفَ يَرفعُه ،
واللهِ لَئِن هجَاني أبُو فِراس لأكونَنَّ أسعدَ النَّاسِ ، فتَبسّم الفَرزدق وَقبِلَ اعتذَاري.
ثمَّ قالَ عبدُ الملكِ : زِدنَا يَا جويشع لكِن مِن غَيرِ الشِّعرِ.

يتبع....

  رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مجالس, الأنس


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تناول الدواء دون ماء يسبب الالتهابات.. والموز فاكهة السعادة mohamed_atri منتدى الطب والصحة العامة 0 2016-05-31 00:07
10 فوائد نجهلها عن الموز؟ mohamed_atri منتدى الطب والصحة العامة 0 2016-01-18 22:07

RSS 2.0 - XML - HTML - MAP
الساعة الآن 18:42.

 

جميع الحقوق محفوظة © منتديات الشامل 2005-2019
جميع ما ينشر في المنتدى لا يعبر بالضرورة عن رأي المنتدى أو إدارته و إنما يعبر عن وجهة نظر كاتبه
Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd